الثقافة والفكر

المثقفون بين المنجز الثقافي والمصلحة الخاصة

المثقفون بين المنجز الثقافي والمصلحة الخاصة

في المشهد الثقافي العراقي والعربي، لا يخلو الأمر من مفارقات مؤلمة، فبينما تبذل المؤسسات الثقافية جهوداً مضنية لإحياء الذاكرة وصون التراث وبناء فضاءات للإبداع، نجد أن بعض “المثقفين” – الذين يفترض أن يكونوا حملة راية الوعي – يتحولون إلى عوائق أمام هذا المنجز.

المثقف والانكفاء على الذات

يُفترض بالمثقف أن يكون ضمير المجتمع، وأن يقدم المصلحة العامة على نزواته ومكاسبه الفردية لكننا نصطدم أحياناً بواقع مختلف: مثقف يرى في الثقافة مجرد وسيلة لتكريس اسمه أو لتمرير مصالحه الضيقة.
في هذه الحالة، يتحول الفضاء الثقافي إلى ساحة تنافس شخصي، بدل أن يكون جسراً للتواصل والمعرفة.

صور من العرقلة

تظهر عرقلة المنجز الثقافي في صور متعددة:

  • الإقصاء والتهميش: حين يسعى مثقف ما إلى إزاحة الآخرين من المشهد ليحتكر الأضواء.
  • المزايدات العقيمة: حين تُستبدل لغة الحوار والنقد البنّاء بخطاب التشكيك والتقليل من جهود الآخرين.
  • البحث عن المكاسب: من خلال تحويل الفعاليات الثقافية إلى منصات للوجاهة أو للمنفعة الشخصية على حساب الرسالة الفكرية.
  • الضغط المباشر: حيث لا يتورع بعضهم عن ممارسة الضغط على المؤسسات الثقافية والعاملين فيها من أجل تحقيق مآربهم الخاصة، وكأن الثقافة ضيعة مملوكة لهم وليست فضاءً عاماً.
  • الواجهة الزائفة: يصل الأمر بالبعض إلى أن يقيم مكتبة أو مركزاً ثقافياً من الخارج، بينما في داخله لا يُقدَّم سوى “الأزبري” والدخان، وكأن الثقافة مجرد ستار لوقت ضائع لا علاقة له بالكتاب أو المعرفة.
  • الاستقواء بالسياسيين وأصحاب النفوذ: فيلجأ بعض المثقفين إلى الاحتماء بالسياسيين أو ذوي السلطة، لاستعمالهم كعصا تهديد أو وسيلة ضغط لتحقيق مصالحهم الخاصة. وهنا تتحول الثقافة إلى ورقة ابتزاز، وتفقد معناها كقيمة معرفية مستقلة.

النتائج على الحياة الثقافية

هذه السلوكيات تزرع الإحباط في بيئة الإبداع، وتضعف الثقة بالمؤسسات والمبادرات الثقافية، فالمتلقي، بدلاً من أن ينشغل بالنص أو المعرض أو الندوة، يجد نفسه شاهداً على صراعات شخصية تخنق الجوهر وفي نهاية المطاف، يكون الخاسر الأكبر هو الجمهور والمشهد الثقافي برمّته.

الحاجة إلى وعي جديد

اليوم أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لدور المثقف الأصيل، الذي يجعل من ذاته خادماً للمعرفة لا سيداً عليها المثقف الحقيقي هو من يضع بصمته عبر العطاء والتراكم المعرفي، لا عبر عرقلة الآخرين.
فالمنجز الثقافي ليس ملكاً لفرد، بل هو ميراث مشترك للأمة، وحراسته مسؤولية جماعية.

اترك رد