لماذا أحب طبعات الكتب الحجرية؟

لماذا أحب طبعات الكتب الحجرية؟

منذ أن اقتنيت كتاب احياء علوم الدين للغزالي بطبعته الحجرية الانيقة، وجدتُ نفسي مأخوذاً بسحرها، فهي ليست مجرد كتب مطبوعة، بل جسور ممتدة بين عالم المخطوطات الأصيلة وبين بدايات الطباعة الحديثة.

 إنّ الحجر في تلك الطبعات يحمل أثر اليد والريشة، ويحفظ بصمة الزمان والمكان، حتى تكاد تشعر وأنت تقلّب صفحاتها أنك تلمس أنفاس الناسخ والمصوّر معاً.

الطبعات الحجرية والمخطوط..

أحب هذه الطبعات لأنها الأقرب في روحها إلى المخطوط العربي والإسلامي؛ فهي لم تفقد الطابع اليدوي رغم دخول آلة الطباعة والخطوط فيها غالباً ما كُتبت بخط نسخ جميل أو رقعة واضحة او الثلث، منسوخة بخط كاتب ماهر، ثم نُقلت إلى الحجر لتُطبع مراراً وهذا يجعل كل نسخة من الطبعة الحجرية تشبه المخطوط في جماله، لكنها في الوقت نفسه متاحة لعشرات القرّاء.

جمال الرسومات والزخارف..

ما يزيد شغفي بهذه الطبعات هو الرسومات والزخارف التي تزين صفحاتها؛ رسومات دقيقة أُنجزت بيد فنانين مهرة، تعكس روح عصرها وثقافة صانعيها، فهي ليست مجرد توضيحات، بل لوحات صغيرة تكمل النص وتفتح أمام القارئ نافذة على الجمال البصري.

ترى فيها المنمنمات البغدادية أو الزخارف العثمانية أو الخطوط المزخرفة التي تحيط بالعنوان، فتشعر أنّك بين مخطوطة فنية مطعّمة بروح الطباعة.

قيمة ثقافية وتاريخية

الطبعات الحجرية وثائق ثقافية بحد ذاتها، فهي تسجّل لحظة انتقالية في تاريخ المعرفة: من عالم النسّاخين إلى زمن الطباعة كثير منها طُبع في بغداد، دمشق، القاهرة، ايران، الهند أو إسطنبول في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فتحمل بصمة النهوض الثقافي والفكري لتلك الحقب. لذا فإن اقتناءها أو تصفحها هو عودة إلى زمن كانت فيه الكلمة مطبوعة بالحجر لكنها نابضة بالحياة.

فهذه الطبعات الحجرية نابع من إحساسي بأنها ليست أوراقاً قديمة فحسب، بل مزيج بين المخطوط الحي والكتاب المطبوع.

إنّها ذاكرة حيّة، تحكي عن الكتابة والفن والتاريخ معاً، وتُبقي القارئ على صلة بتراث يمتد من الحبر والورق إلى الحبر والحجر.

اترك رد