المركز الثقافي البغدادي وريادة الذكاء الاصطناعي في إحياء التراث
يشكّل المركز الثقافي البغدادي محطة متجددة في المشهد الثقافي العراقي، ليس فقط لكونه حافظاً لذاكرة المدينة وملتقىً لأبنائها، بل لكونه السبّاق في إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى فضاءات العمل الثقافي، ليكون بذلك أول مركز ثقافي في العراق يوظف هذه التقنيات في خدمة التراث والذاكرة.
البداية مع نازك الملائكة
انطلقت الشرارة الأولى لهذه التجربة عندما افتتح المركز مكتبة ومتحف الشاعرة الرائدة نازك الملائكة. فقد فوجئ الحضور آنذاك بمقطع مرئي تُطل فيه نازك، وكأنها حيّة بين جمهورها، مرحِّبةً بالضيوف ومخاطبةً محبي الشعر.
شكّل هذا الحدث نقلة نوعية، دفعت المؤسسات الثقافية إلى إعادة التفكير في جدوى التكنولوجيا في إحياء الرموز الفكرية والأدبية.
الدليل التفاعلي وإحياء الشيخلي
لم يقتصر الأمر على تجربة نازك، بل توسّع المركز في إنتاج فيديوهات ضمن قاعة الدليل التفاعلي. وقد جرى إحياء شخصية المرحوم محمد رؤوف الشيخلي، أحد أبناء المدرسة العسكرية الرشدية العثمانية التي اتخذت من بناية المركز الحالي مقراً لها. هذا المشهد التفاعلي ربط الزوار بتاريخ المبنى، وأعاد للذاكرة إحدى شخصياته التي غابت قرناً من الزمن.
الصور المتحركة وشهادة عالمية
وفي خطوة أخرى، لجأ المركز إلى معالجة عشرات الصور التاريخية وتحريكها بالذكاء الاصطناعي، لتتحول من لقطات جامدة إلى وجوه نابضة بالحياة. أثارت هذه التجارب إعجاب الجمهور والباحثين، حيث وصفت الدكتورة إلينور روبنسون، مديرة قسم التاريخ في جامعة لندن، هذه المبادرات بأنها “طريقة مثيرة للأعجاب”، مؤكدة أن بغداد تقدّم نموذجاً جديراً بالاقتداء.
سياسة المركز ورؤيته المستقبلية
تأتي هذه المبادرات في إطار سياسة إدارة المركز الثقافي البغدادي، التي تؤمن بضرورة مواكبة العلم والتكنولوجيا وتسخيرها في خدمة الثقافة.
ومن خلال هذه الخطوات، لم يعد المركز مجرد فضاء للمعارض والكتب، بل تحوّل إلى مختبر تراثي – تكنولوجي، يجمع بين أصالة الماضي وحداثة الحاضر، ويؤكد أن بغداد قادرة دوماً على الإبداع والتجدد.
بغداد… عاصمة الثقافة
إن ما يقدّمه المركز الثقافي البغدادي اليوم ليس مجرد مبادرات تقنية، بل هو إعلان جديد عن هوية بغداد: مدينة تجمع بين تراثها الممتد عبر العصور وطاقتها المتجددة على الإبداع.
فكما كانت بغداد يوماً منارة للعلم والفكر، ها هي اليوم تثبت أنها قادرة على أن تكون عاصمة الثقافة الخالدة، حيث يتجاور الذكاء الاصطناعي مع عبق التراث، ليشكلا معاً رسالة أمل وحضارة للأجيال المقبلة.



