رحلة الصوفي الأولى ..

55ff4ca218234

رحلة الصوفي الأولى ..

-1-

الأسفار الأربعة

الأسفار الأربعة تعني الانتقالات المعنوية المهمة التي يمر بها المتصوف في طريقه للكمال المطلق، حيث يسير الصوفي في درجات الكمال وينتقل من مرحلة الى مرحلة أخرى، وبالأحرى الانتقال إلى مرحلة أكمل فاللاحق عبارة عن (السابق مع زيادة) وهذه من أهم قواعد الكمال الحقيقي، وهكذا يواصل المتصوف رحلته المعنوية متنقلاً بين هذه الاسفار الأربعة التي تعد القوام العام لعالم التصوف الحقيقي والواقعي.

وقد ذكر المحقق محمد رضا القمشئي الأصفهاني أن: (السفر هو الحركة من الموطن، متوجها إلى المقصد بطيّ المنازل). وقال القشيري في رسالته: إن السفر هو:(ارتقاء من صفة إلى صفة) و عبّر ابن عربي في رسائله عن السفر بأنه: (توجّه القلب إلى الحق تعالى بالذّكر) وبعبارة أخرى له: (ان السفر عبارة عن القلب أذا أخذ في التوجه إلى الحق تعالى بالذكر).

ففي هذه الأسفار الأربعة يتنقل الصوفي بين المقامات والأحوال ويكتشف الحالات المعنوية المدهشة للعالم الأكبر فتتحقق الحكمة (وَتَحْسًبُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ، وَفيك انطَوَى العالمُ الأكبرُ).

وهكذا تعد هذه الأحوال والمقامات أهم المحطات الفرعية التي يتوقف عندها المسافر (الصوفي) ويتزوّد بزاده المعنوي فيها .

وقد صنّف القوم التصنيفات الكثيرة والعديدة جدًّا في هذا المجال لعل أهمها ما ألفه السراج الطوسي (المتوفي386هـ)، والمسمّى(اللُّمع) سماه (كتاب الأحوال والمقامات)، كما يتناثر في جملة كثيرة من الكتب معاني هذه الأحوال والمقامات كما في الرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري (المتوفي 465هـ) وفي قوت القلوب لأبي طالب المكي (المتوفي 386 ) وغيرها من المصادر.

-2-

السفر الأول

السفر الأول هو الرحلة الأولى التي يرتكز عليها المتصوف في الاتجاه نحو الكمال المطلق، وهو سفر معنوي لا مادي ويعبر عنه بأنه من (الخلق) إلى (الحق)، وفيه تقع أغلب المقامات ومنها (الزهد، التوكل، الرضا، التسليم، المحبة، الشكر) في حين لا مقام في السفر الثاني غير مقام التوحيد ..

ويلبث الصوفي في هذه المقامات مدة من الزمن ثم ينتقل إلى المقام الذي يليه، ويكون أرفع من الأول وخلال هذا الـ(اللبث) يتولد لديه استعداد للانتقال إلى المقام اللاحق عن طريق الأحوال، وهي التي تكون محطات ثانوية في المقام من أجل التهيؤ للدخول والانتقال في المقامات العالية والتي يصطلح عليها بـ(البرازخ العليا).

-3-

تجرد

ويعتبر هذا السفر وكما يعبرون عنه بسفر (تجرد)، حيث يتجرد الصوفي من ثلاث حُجب رئيسية ومهمة في رحلته نحو معشوقه المطلق، فالأول: هو (حجاب الأفعال)، حيث يصل فيه المتصوف إلى مرتبة لا يرى فيها أفعاله ، ويراها أفعال الكمال المطلق بل ولا يلتفت حتى إلى أفعاله الشخصية، وهنا تنكشف حقيقة الفعل الإنساني له ويعبر عنه بمصطلح (المحو).

الثاني: هو التجرد عن (حجاب الصفات)، حيث يفنى العبد عن صفاته وخصائصه فلا يلتفت لها، وينكشف له أن هذه الصفات عارية لا وجود لها ويعبر عنه بمصطلح (الطمس).

والثالث: هو (حجاب الذات) وهو الأرقى حيث لا يلتفت إلى ذاته فضلا عن أفعاله وصفاته، فيجتاز (حجاب الأنا)، وكما يقال: ( وجودك ذنب لا يقاس به ذنب آخر) حيث(كل من عليها فَان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)، ويعبرعنه بمصطلح (المحق).

ويعبر عن هذا السفر بعالم الكثرة، وما بعده بعالم الوحدة، وإن الإنسان في هذا السفر وجوده وهمي، وبعد ذلك يكون وجوده حقّانيًّا فيكون الصوفي قد أعلن بنهاية هذا السفر موته الأول، وقيام قيامته، وكما قال شيخ الإشراق السهروردي: (نحن لا نعتبر الحكيم حكيمًا حتى يستطيع بإرادته أن يخلع بدنه).

-4-

سفر المجاهدة

ومن مختصات هذا السفر أيضًا المخالفات والمجاهدات حيث أن هذا السفر هو سفر من عالم النفس، وهنا يكون الارتقاء في هذه المقامات بأمور أهمها :

المجاهدة وتعني إرغام النفس على ما لا ترغب .

أما المخالفة فهي منع النفس عما ترغب، وتتعدد المخالفات والمجاهدات باختلاف المقامات وأحوالها.

وحركة الصوفي التكاملية في هذا السفر هي حركة في مراتب التطهير من الحجب الظلمانية والحجب النورانية وخير شراب هو (المجاهدات) (وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا)، والمقامات (هي استيفاء الحقوق المرسومة شرعا على التمام وهي مكتسبة بواسطة المجاهدات والرياضات الشرعية) كما ذكر ابن عربي في فتوحاته.

فرحلة الصوفي هنا رحلةُ خلاصٍ من عالم المادة والطبيعة وتكسير القيود والانعتاق من عالم النفس والانطلاق في عالم الروح (فَلا اقْتَحم الْعقَبةَ ، ومَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ )، فيغادر الصوفي في طريقه إلى الكمال المنشود مستعينًا بخطوات ترويض النفس، فيطوي المنازل تلو المنازل فحينئذ يتحقق له (السفر)، حيث يتجلى له الحق المطلق على قلبه .

وقد عجّت كتب التصوف بمثل هذه (المخالفات) والمجاهدات فيمكن الرجوع إليها لمزيد من البيان.

-5-

الماكثون

هنا نصل إلى الخاتمة وبعض النتائج الهامة، التي سأقتصر على ذكر نقطة واحدة منها وسأترك البقية للمستقبل:

من أجل فهم التصوف، لا بد من الاطلاع على مقامات هذا السفر والتعرّف عليها نظريًّا. إن أغلب المتصوفة هم أبناء لهذا السفر، لذلك يتكرر الحديث عنه في كتاباتهم، في حين أن الإسفار الثلاثة الأخرى أقل أهمية أو بمراتب أقل بكثير، لا سيما وأن اغلب الأسرار تقع بعد السفر الثاني، ومن الحكمة أن يتم منع تداول بعض الأسرار بمنظورهم بين العامة فحجبوها بالمصطلحات!

وهكذا فإن بعض المتصوفة توقّف للأسف في هذه المقامات فترة طويلة، فيُذكر أن أحدهم قد لبث في أحد المقامات أكثر من 25 سنة.

والسبب في ذلك هو التعلق بالمقام وأحواله، ولعل من الطريف ذكره أن من أكثر المقامات التي بقي الكثيرُ من المتصوفة فيها دون أن يجتازوها هو مقام المحبة لما فيه من الأحوال الرائعة، وبالتالي كانت الخسارة كبيرة على التصوف ففي الوقت الذي كان التصوف فيه بحاجة إلى (عرفاء كُمّل) كان أغلب المتصوفة يتلقون تعاليمهم من هؤلاء (الماكثون) طويلا في محطات الانتظار.

إنَّ أشهر شخصيات التصوف في القرون الأولى لم يصلوا إلى أعتاب السفر الثاني (من الخلق إلى الحق) وهو سفر العرفاء والفيصل الكمالي المهم بسبب موت أغلبهم معنويا في مقامات السفر الأول، فالغاية التي أرادها المتصوفة الحقيقيون هي الكمال لا الوصول، كما هو مستنتج في بعض الانتقادات الموجهة إلى بعض المتصوفة من قبل كتابات ابن عربي وأشعار جلال الدين الرومي، وهذا ما لم ينتبه إليه الباحثون ولم يتم تسليط الضوء عليه

الخيال ..!!!

الخيال ..!!!

في التسعينات من القرن الماضي كنت اتابع برنامج تلفزيوني يعرض على القناة الثالثة للتلفزيون العراقي  والتي لم تستمر طويلا..
البرنامج اسمه (منطقة الخيال ) و كانت اغلب قصص البرنامج حول الخيال العلمي و كنا نتطلع لأن نكون أبطالاً خارقين نعانق السماء طيرانا ، ونحفر الأرض عندما يصاب أحباءنا بمكروه ، وكنا نقاوم هذه المشاعر التي تربت معنا ، لأن أي تجربة إن حاولنا أن نجريها ، من الممكن أن تسبب لحياتنا الخطر ، وتجلب لنا التعاسة بخسارة من نحب ، وكانت تلك القصص تنمو في خيالنا ممتدة بامتداد الافق .. وكل قصة خيالية تمتلئ بكثير من التفاصيل التي قد يعجز المشاهد عن استيعابها أو هضمها بعد مشاهدة واحدة للحلقة ..

للخيال معاني تأتي من فهم كل مدرسة للخيال فمنها (العرفاني والفلسفي والنفسي (علم النفس) والادبي والعرفي)، فالخيال في العرف غير مطابق للواقع.
والخيال غير الوهم وقد عرف بعض اصحاب الذوق الخيال بانه (قوة نفسية حقة ) و قال بعض الفلاسفة انها خلقها الله تعالى لرؤية الموجودات المجردة عن المادة بعد ان كانت هذه العين الباصرة الدنيوية قاصرة عن رؤيتها.

يعرف أرسطو الخيال على انه الحركة المتولدة عن الإحساس بالفعل ولما كان البصر هو حاسة الإنسان الرئيسة التي يستمد منها الخيال مادته لهذا اشتق أرسطو منها لفظ (فنطاسيا) أي الحس المشترك من النور، إذ بدون الضوء لا يمكن أن يتم إدراك البصر للمرئيات.

وقد ذهب ابن عربي الى أن للخيال درجة وجودية، وسلطاناً معرفياً يكاد أن يمتد ليشمل جميع العوالم، وعدّه عالماً وسيطاً تمتد مادته بين عالمي الغيب والشهادة وفي ذلك قال :

لولا الخيال لكنا اليوم في عدم
ولا انقضى غرض فينا ولا وطر..


ومن أجمل مقولاته في هذا المجال (ان باطن الإنسان هو ظاهره في الآخرة) ..

وقريب الى ذلك ما قاله السهروردي قطب المدرسة الإشراقية أن الخيال والتخيل له ظرف آخر غير الإنسان هو عالم وسيط (برزخي) بين عالم الحس (والمادة) وعالم العقول، أطلق عليه اسم عالم المثال أو الخيال المنفصل،و من حيث القوة والأهمية، يفوق عالم الخيال العالمَ المادي، ويفوقه عالمُ المعقولات والعقول.

ويعتقد الملّا صدرا (أن الصور الخيالية على سنخين: الأول هو الصور التي تفد ويستلمها الإنسان حتى من دون استخدام محفوظات الذهن والذاكرة، بل عن طريق انعكاس الحقائق ما وراء الحسية في مرآة النفس الإنسانية أو على شكل تناسق .

والثاني هو الصور التي تصنعها قوة الخيال البشري وتصوغها وتخرجها بمهارة على شكل صور جديدة من تركيب عدة صور من تلك المحفوظة في الذهن مسبقًا. ومثالها الفرس المجنح أو جبل الذهب).


و في مجال الخيال العلمي لا يمكننا أن ننكر مدى أهميتها بالنسبة لحاضرنا و مستقبلنا ، و قد دفعت هذه الكتب المهندسين و المهتمين و المهووسين بالمجال العلمي و الابتكارات و الاختراعات التقنية العمل على تحويل العالم الى عالم رقمي كما هو واضح في الشبكة العنكبوتية و الاتصال مع الاخرين في الوقت الفعلي مع حذف المسافات الشاسعة و تطور الصواريخ و المراكب الفضائية و التجارة على الانترنيت و الحرب الالكترونية أبرز الأفكار التي قرأها الناس على مدى السنوات الماضية و تحققت اليوم و ما زال هناك الكثير من الأفكار التي يحاول المتخصصين ترجمتها على أرض الواقع…

و يعد الخيال، أحد العناصر الرئيسية في العمل الأدبي بل الإبداعي، أكان شعراً أم قصة، أم رواية، أم مسرحية، أم لوحة ويكاد لا يخلو نص إبداعي، أياً كان من الخيال، بل أصبح الخيال أحد مقاييس الإبداع وهذا ما يحتاج الى نظر …

وقد وجدت في احد الكتب القديمة ان الملائكة لا يملكون (الخيال) وهذا هو سر كمال الانسان.

وعند صفاء القلب تفتح لدى الانسان حواسه المعنوية وهي المطلة على عالم النور ويكون لقوة (الخيال ) القدرة على الابصار في ذلك العالم فيرى الاشياء لا ظلالها وسر الخيال في الارادة ..
لذلك فالخيال سر من أسرار الكمال ..!!

ويبقى الكلام في الخيال من جنس الخيال ..!!

  • شكرا لروحكم ..

مصادر المقالة :

  • كتاب الخيال الخالق هنري كوربان ترجمة خليفة علي الخليفة.

  • كتاب الخيال في الفلسفة والأدب والمسرح د. علي محمد هادي الربيعي.

  • كتاب فلسفة الخيال د. رحيم الساعدي.

  • مجلة قصص الخيال العلمى .

– See more at: http://www.feidh.com/index.php?do=view&type=articles&id=114#sthash.mAXYHa18.dpuf

الجسد ..سر من اسرار التكوين ..

55118d1aa7daf.jpg

الجسد ..سر من اسرار التكوين ..

لقد شكل الحديث عن (الجسد) جدلية في مختلف الثقافات العالمية وتم التطرق لها في المسالة الفلسفية وتحدث عنها قديما أفلاطون وأرسطو وغيرهم ، و في الفكر المعاصر فقد اعتبر أحد الوسائل الأساسية للتعبير عن الذات ، إذ أنه عن طريق جسدي أفهم الغير، مثلما عن طريق جسدي أيضا أدرك الأشياء!!

إن أول توصيف للجسد يبدأ من قصة آدم وحواء عليهما السلام واكتشاف الجسد العاري ، ومنذ ذلك الوقت أصبحت كل ثقافة تختزن مفاهيم و تصورات فلسفية عن موضوع الجسد.

ان الإنسان عالم متكامل فقد احتوى في ظاهره على الجسد وفي باطنه على الروح ..
فكان للجسد حواسه المادية المؤثرة والمتأثرة بالعالم الخارجي ..
وكان للروح حواسها المعنوية المؤثرة والمتأثرة بالعالم المعنوي للكون ..

وكما قال الأمير عليه السلام :

دواؤك فيك وما تشعر *** وداؤك منك وما تُبصر
وتحسب أنّك جرم صغير*** وفيك انطوى العالم الأكبر
وأنت الكتاب المبين الذي*** بأحرفه يظهر المُضمَر
فلا حاجة لك في خارج *** يُخَبَّرعنك بما (فيك ) سُطًّرُ

فكانت القوى المادية في الجسد وكانت القوى المعنوية في الروح ..

والجمع بين الظاهر والباطن هو سر من إسرار السعادة الحقيقية للإنسان .

وكل الطرق المؤدية للكمال اما ان تكون مادية او تكون معنوية وكلاهما حواهما الإنسان ..
وقد ورد في عالم الحكمة ان الحق قد كسى الأرواح بالأجساد فزادت سرعة التكامل ..

فدخلت الإنسانية عوالم كانت متعذرة عليها ..!! وهذا ربما من عجيب القول ..

فالجسد في مرتبة من مراتب المعرفة هو صورة مصغرة لدائرة الوجود..

والجسد الإنساني ارفع الأجساد فله القدرة الكبيرة على التحمل ويحمل صفة تحتاج الى دراسة بل تحتاج الى تأمل وهي صفة (التكيف) حيث يستطيع الجسد الإنساني من تحمل البرودة والحرارة القاسية..

ومن غرائب عالم الجسد أننا لو قطعنا جزء منه فليس معناه انه الموت بل ان الحياة تبقى فيه لذلك نجد نجاح عمليات زراعة بعض الأعضاء والسبب الحقيقي لذلك وجود صفة الحياة في هذه الأجزاء المقطوعة هي صفة ثبوتية في الكون .
ان الجسد مرآة النفس ومحل تجلي النفس فان قيمومة عالم النفس هو الجسد فمن سيطر على جسده سيطر على نفسه ..!!

ان منشأ الجسد وأساس كماله هو التراب وهو أصل من أصول الكمال الذي اخذ بالترقي والتفرع على مر العصور فكانت المعادن وتدرج حتى وصل الى غاية كماله وهو الجسد البشري ..

لذلك تكون نهاية الجسد هي التراب وبها تكتمل دائرة الوجود وكما قيل في الحكمة ان كنت تريد معرفة النهايات فعليك الرجوع الى البدايات …!!!