
الكوفة بين النشأة والتكوين ..
نشأت المدارس الحضارية التي تعنى بالتراث في ظل حضارة الإسلام في الحواضر العربية في كل من : مكة المكرمة ، المدينة المنورة ، البصرة ، الكوفة ، بغداد ، الموصل ، النجف الأشرف ، القاهرة ، الشام ، إشبيلية ، غرناطة ، القيروان وتونس .
كان بعض هذه المدارس كياناً مستقلاً ، وبعضها كان امتداداً للمدارس الأم . إذ كانت النشأة مختلفة في جملة من المجالات ، الا ان الأصل دون نزاع المدرستان العراقيتان العريقتان في البصرة ، تأسست في العام الخامس عشر الهجري ، وفي الكوفة تأسست في العام السابع عشر الهجري ، وبدأ العطاء العلمي فيهما مع التأسيس حتى البناء المتكامل .
لقد كانت مدرسة مكة أندر عطاء ، ومدرسة المدينة أكثر حيوية ، ومدرسة البصرة أوسع مادة ، ومدرسة الكوفة أغلى قيمة ، وأعظم شهرة ، فمولد الإسلام في مكة ، وترعرعه في المدينة ، ونشأته الحضارية المتحفزة في كل من البصرة والكوفة .
وهكذا كان نصيب العراق العلمي والتأسيسي غنياً في هذه المسيرة الأكاديمية المتطورة[1]..
لقد كان من أهم النتائج التي ترتبت على انتصار العرب المسلمين في معركة القادسية المعروفة سنة 16هـ/ 637م تأسيس مدينة الكوفة في سنة 17هـ/638م لاتخاذها مخيمات ومعسكرات, ولكي تكون نقطة انطلاق نحو بلاد فارس والديلم وطبرستان بعد معركة نهاوند, بحسب قول الخليفة عمر (لأن يتخذوا دار هجرة, وان لا يجعل بينه وبينهم بحراً )([2]).
كان سعد بن أبي وقاص يعتقد ان المدائن هي المكان المناسب لسكن المقاتلين ولاسيما كونها عاصمة للساسانيين تتمتع بالمناعة والتحصين زد على تمتعها بموقع ستراتيجي مهم يساعد المسلمين في الانطلاق نحو الشرق, فاختطها سعد واسكن القبائل العربية فيها . ولكن سرعان ما استوخمها العرب واستوبؤها مما دفعهم بأمر من الخليفة الى التحول، بعد ان كتب الخليفة عمر بن الخطاب الى سعد يستفسر عن سبب تغير ألوان العرب ومعالمهم بعد ملاحظته ذلك على الوفد الذي جاء يخبره بنتائج الفتح فأمره ان يفتش عن مكان يلائم العرب وحثه بأن يختار لهم ما يوافق طباعهم اذ قال (ان العرب لا يوافقها الا ما وافق ابلها من البلدان) ([3]).فالعامل المناخي يعد عاملاً أساساً في انتقالهم من المدائن, ولكنه ليس العامل الوحيد, بل كان الى جانبه العامل العسكري متمثلاً بوجود حواجز طبيعية بين العرب ومركز الخلافة ويتضح ذلك من كتاب عمر (ألا تجعلوا بيني وبينكم ماء , متى ما أردت ان اركب اليكم راحلتي حتى اقدم عليكم قدمت)([4]).
شرع سعد في التفتيش عن موضع مناسب, تنطبق عليه الشروط السالفة فتحول الى الانبار وأراد ان يتخذها منزلاً للمسلمين , ولكن كثرة الذباب على الناس اضطرته للتحول الى سوق حكمة* وعند بعضهم الاخر الى كويفة دون الكوفة وهي كويفة ابن عمر**([5]) ونظراً لعدم ملائمة هذه الأماكن لسكنى العرب لأسباب مناخية واخرى ستراتيجية عسكرية بعث سعد حينذاك كلاً من سلمان المحمدي وحذيفة بن اليمان بحثاً عن مكان لائق, فانطلق سلمان حتى أتى الانبار ثم سار في غرب الفرات لا يرضى شئ حتى أتى الكوفة وسار حذيفة شرق الفرات, وكذلك فلم يرضه شئ سوى الكوفة وعندما اجتمع رأيهما على الكوفة كتبا الى سعد بذلك حيث ارتحل اليها وأنزل العرب فيها في المحرم سنة 17هـ/638م([6]) هذا وقد أشار البلاذري والحموي الى ان رجلاً اسمه ابن بقيلة هو الذي أشار على سعد باتخاذ الكوفة مخالفين بذلك الرواية السالفة([7]) .
على أية حال فقد مصّر العرب الكوفة على يد سعد بن وقاص عام 17هـ/637م وقيل غير ذلك([8]).
وكانت الكوفة تمتلك مقومات قيام المدينة وأبرزها: الماء والكلأ والمحتطب([9]).
زد على ذلك فإن موقع الكوفة على طرف الغرب للجزيرة العربية وعلى ضفة الرافد الرئيس لنهر الفرات وعلى بعد بضعة أميال عن الحيرة , وهو موقع ممتاز للاتصال بالعالم . فموقع الكوفة على الضفة اليمنى من الفرات مشجعاً للسكنى ،ولهذا السبب نجت من الفيضان([10]).
فكانت مميزات المنطقة التي أسست فيها الكوفة وصفاتها الطبيعية تتوافق مع متطلبات العرب العسكرية والمناخية , حيث كانت على حافة البر مما يسهل للعرب الانسحاب نحو الصحراء في حالة تعرضهم للخطر . ووجود العرب فيها سوف يسهل وصول الامدادات العسكرية اليهم, لعدم وجود حواجز طبيعية تفصلها عن حاضرة الدولة الاسلامية([11]) .
زد على ذلك انها كانت بعيدة الى حد ما عن مراكز المدن القديمة مما جعل اهلها بعيدين عن المؤثرات الأجنبية وعوامل الترف والنعومة في العيش فيفقدهم ذلك مزاياهم الحربية. ان عذوبة مياهها متمثلة بفرع الفرات المعروف بالعلقمي ووفرة الآبار وعذوبتها([12]).
وطيب هواءها وفر بيئة مناسبة يستوطنها العرب فقد سميت خد العذراء لجمالها, اذ كانت تنبت الخزامي والاقحوان والشيح والقيصوم والشقائق فكان زياد ابن ابيه يصفها بأنها جارية حسناء تصنع لزوجها فكلما رآها يسر بها, كما وصفت بأنها : بكر عاطل لاحلي لها ولا زينة عكس البصرة التي وصفت بأنها: فعجوز شمطاء بخراء دفراء أوتيت من كل حلي وزينة، وكانت تمثل بمحل اللهوات واللسان من الجسد يأتيهما الماء ببرودة وعذوبة لذلك كان عمر يكتب (الى سيد الأمصار العربية وجمجمة العرب يعني الكوفة) ([13]) .
ساعدت عوامل وفرة المياه وخصوبة الأرض وجمال الطبيعة على جعل الكوفة مدينة زراعية تستطيع أن تعيل من يسكنها فصارت خلال مدة قصيرة أغنى المناطق الزراعية، مما جعلها احدى أهم المصادر المالية للدولة الاسلامية، بما كان يجبى من منتوجاتها من حنطة وشعير ونخل ورطب وكروم…الخ، فهي تمتلك أغنى الضياع القديمة مما جعلها ضياعاً خراجية بخلاف البصرة التي تمثل احياء اراضي موات في الإسلام([14]).
وكان موقع الكوفة وسط البساتين والمزارع أمر يحسب لصالح جودة منتوجاتها ولتوكيد ذلك فان الأحنف بن قيس عندما ذكر الكوفة قال: (نزل اهل الكوفة في منازل كسرى بن هرمز بين الجنان الملتفة والمياه الغزيرة والانهار المطردة , تأتيهم ثمارهم غضة لم تخضد* ولم تفسد)([15]) .
والكوفة تسمية اسلامية رافقت تمصيرها من قبل المسلمين , فلم تكن تعرف بهذا الاسم قبل ان يتخذها العرب بل كانت تسمى سورستان وعلى الرغم من ذلك فان ماسنيون يعتقد ان اصل التسمية سرياني من عاقولا([16]).
وعلى أية حال فقد اختلفت المصادر التاريخية والجغرافية واللغوية في سبب تسميتها بالكوفة فقيل: سميت بالكوفة لاستدارتها وقيل: الكوفة هي الرملة الحمراء المستديرة وقيل: الكوفة كل حصاء تخالطها رملة وطين وقيل: سميت نسبة الى جبل صغير كان وسطها يقال له كوفان وعليه اختطت , وقيل: أخذت من الكوفان بمعنى البلاء والشر وقيل: انها سميت بالكوفة لأنها قطعة من الأرض من قول العرب: قد أعطيت فلاناً كيفة أي قطعة, وقيل: سميت كوفة لان جبل ساتيدما يحيط بها كالكفاف عليها وقيل: سميت كوفة من التكوف بمعنى التجمع لان سعداً عندما نزل الكوفة قال: للمسلمين (تكوفوا أي اجتمعوا) ([17]) ولربما يرجع العامل الجغرافي الطبيعي أساساً لتسميتها.
تأكيداً لما ذكر من ان الكوفة جزء من ارض السواد في العراق أن(سعد بن ابي قاص ) قام عليها أميراً وجميع السواد مدة 3 سنوات ونصف وصنفها بعض الجغرافيين والمؤرخين بكونها تقع في الإقليم الثالث([18])نسبة الى التقسيم الجغرافي الذي وضعه المؤرخون المسلمون في نهاية القرن الثالث الهجري فجعلوا بلاد المسلمين سبعة أقاليم وتسمى الكوفة أيضًا كوفان، قال الكسائي وغيره: هكذا كانت تسمى قبل أن تمصر، وتسمى كوفة الجند([19]).
([1])الدكتور محمد حسين الصغير ، مدرسة الكوفة في تفسير القرآن مجلة المورد الصادر بتأريخ 1988.
([2]) البلاذري, فتوح البلدان, تحقيق (صلاح الدين المنجد) , الكليني, ط1, الكافي ، ص40.
([3])الطبري ، التاريخ ، ج3 ، ص145؛ ابن الاثير ، الكامل في التاريخ ج2، ص527 .
([4])المقريزي, المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والاثار المعروف بالخطط المقريزية, , ج2, ص85.
** موضع منسوب الى عبيد الله بن عمر بن الخطاب نزلها حين قتل بنت أبي لؤلؤة والهرمزان وجفينة العابدي, وهي بقرب بزيقيا؛ الحموي, معجم البلدان, ج4, ص496.
([5]) الدينوري, الاخبار الطوال, ص124.
([6]) الطبري, التاريخ, ج3, ص146؛ ابن الأثير, الكامل, ج2, ص527-528.
([7]) ياقوت ، معجم البلدان, ج4, ص491
([8]) البلاذري, فتوح البلدان, ج2, ص338 ؛ اليعقوبي, تاريخ اليعقوبي, ج2, ص150؛ الطبري, التاريخ, ج3, ص144 ؛ ابن كثير, البداية والنهاية, ج7, ص86.
([9]) مختصر كتاب البلدان , ص155 ؛ حسن عيسى الحكيم, تمصير الكوفة بين الانسان والأرض ص3 .
([10])الجنابي, كاظم, تخطيط مدينة الكوفة , ط1, ص11 ، 169.
([11])الطبري, التاريخ, ج3, ص146 ؛ الحاكم النيسابوري, المستدرك على الصحيحين, ج3, ص89 ؛ محمد جواد فخر الدين, تاريخ النجف حتى نهاية العصر العباسي, ط1, ص148 .
([12]) ينظر, قدامة بن جعفر, الخراج وصناعة الكتابة, ص155 ؛ عباس, علي هادي, خطط الكوفة في كتب الرحالة الأجانب, (مجلة الكلية الاسلامية الجامعة- العدد الرابع؛السنة الثانية 1429هـ/ 2008م), ص64.
([13]) ابن الفقيه, مختصر كتاب البلدان , ص155-158 .
([14]) الاصطخري, مسالك الممالك, ص82 .
* تخضد: أي انها تأتيهم بطراوتها لم يصبها ذبول ولا انعصار لأنها تحمل في الأنهار الجارية فتؤديها اليهم ؛ابن منظور, لسان العرب, ج3, ص62(مادة خضد) .
([15]) ابن الفقيه, مختصر كتاب البلدان, ص156 .
([16]) ماسنيون, المسيو لويس, خطط الكوفة وشرح خريطتها, ط1, ترجمة (تقي محمد المصعبي), تحقيق (كامل سلمان الجبوري) , ص105 ؛ حسن عيسى الحكيم, الكوفة من الجامع الى الجامعة , بحث القي في المؤتمر العلمي الثالث (دور الكوفة في التراث العربي الاسلامي) في كلية الفقه خلال الفترة 3-4؛ 5؛ 1988م, ونشر في جريدة الثورة في العدد 6767 الصادر في 6/12/1988م مقال تحت عنوان (تمصير الكوفة) , ص12؛ الجنابي, تخطيط مدينة الكوفة, ص11 . .
([17]) ينظر: الفراهيدي ,العين , ط2, تحقيق (مهدي المخزومي – ابراهيم السامرائي) , ج5, ص412(مادة كوف) ؛ الطبري, التاريخ, ج3, ص146 ؛ ابن منظور, لسان العرب, ج9, ص311(مادة كوف) ؛.
([18]) الحموي : معجم البلدان ، ج4 ، ص490 ؛ العلوم ، 1960 ، ط2 ، ص126.
([19]) انظر في ذلك: تاج العروس للزبيدي، 6/240، ومعجم مقاييس اللغة، لابن فارس، 5/147، ومعجم البلدان لياقوت الحموي 4/190، ومعجم ما استعجم من أسماء البلدان والمواضع للبكري4/1140.