
المعجزة بمنظور معرفي…
لقد ابتنى نظام على الخلق على النظام العقلي ،وكان هذا النظام العقلي هو الحاكم والمسيطر على سير الخلق بمختلف المستويات وهذا الكلام شامل لكل الموجودات بمرتبة من المراتب ..
فيتدرج التراب من الفحم وصولا الى الماس ويكون غاية كمال التراب هو الجسد البشري ..
وهكذا تسير الموجودات بمختلف مراتبها وفق خطوط كمالية مبنية على النظام العقلي فلا يكون فهم الخلق ما لم يكون هناك فهم للنظام العقلي وخطوطه العامة ..
فكانت البشرية تسير وفق هذا النظام سيرا وفق ما اصطلح على (الأسباب والمسببات) فلا أسباب بلا مسببات ولا آثار دون مؤثرات.
ولكن قد تحدث بعض (الظواهر ) او كما تسمى (الخروقات ) لهذا النظام العقلي وللنظام الطبيعي فتحدث هذه الأمور خلافا لهذا النظام الذي يفهمه المستوى العقلي للبشرية ..
لذلك أطلق عليها الإنسان ( المعجزة)( miracle)، وهذه المعجزات او الخروقات الغير طبيعية للنظام بالرغم من عدم معاصرتنا لها الا انه من المسلمات عند أهل الأديان السماوية وكذلك وقوعها وقد صنفت الى ستة أصناف لا مجال لتفصيلها هنا.
و جريا على هذا الاعتقاد فقد اثبت العلماء وقوع بعضها ..بالرغم من ان البعض يشكك في وقوعها الا ان عدم الوجدان ليس نفياً للوجود..!!!!
يعلن (بندكت سبينوزا) الفيلسوف الشهير : (أن الطبيعة لا يمكن أن تُنتهك… إنها تحافظ على حالة من الثبات وعدم التغير) .
كما عبر دافيد هيوم : (ان المعجزة هي انتهاك لقوانين الطبيعة).
فالمعجزة لو سلمنا بوقوعها هي فعل خارج النظام العقلي او خارج النظام الظاهري ..
ولكن لو دققنا النظر لوجدنا هذا الفعل لا يخرج عن دائرة الوجود او دائرة الخلق بل هي معجزة بالنسبة لنا لا كل الأنظمة ..!!!
لذلك عبر عنها المحققين : أنها خرق للمعهود من النظام وليس خرقا للنظام الكوني الطبيعي .
فهي أذن خارج نظام الأسباب ، واهم غاية لحدوثها ووقوعها بعد نظرة عامة على ما ذكر من معجزات في الكتب السماوية وكذلك كتب التاريخ ذات العلاقة نجد ان غايتها هي هداية الناس ..
وهكذا نجد ان المعجزة موجهه لعامة الناس لا لخاصتها و لبسيطي الإيمان لا المتعمقين بالإيمان وكذلك للمعاندين وإلا ما فائدتها للمؤمنين بالله ..!! وكما ورد : (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا) ..
ان المشككين بوقوع بعض المعجزات الآن ليسوا ممن خرجوا عن الدين او كفروا به او جاءوا بدين جديد ..!!
بل ان البعض منهم مستوياتهم العقلية ربما أعلى مستوى ممن سبقوهم من الأجيال فالجيل يورث الأجيال اللاحقة خلاصة كمالهم .
كما ان المبالغة في أعداد المعجزات الواردة في حياة الرسول الكريم (ص) تحتاج الى أعادة نظر وقد ورد في عدة مصادر ان عدد معجزات النبي (ص) 3000 معجزة وان عدد معجزات بعض الأئمة المسلمين هو 2000 معجزة ..
وهنا نجد ان المؤمن بدون معجزة هو أفضل من المؤمن بمعجزة وهذا مما لا شك فيه ،وبما أن البشرية الآن ارتقت أعلى المستويات العقلية فلا يمكن حدوث المعجزة أبدا إلا بمعجزة ..!!
اما بالنسبة للمعجزة الباقية بيد المؤمنين وهي (القران الكريم ) فالسؤال الوارد هو :ما الفرق بين معجزة القران وغيرها من المعجزات لا سيما الكتب السماوية ؟..
فالتوراة هي ليست معجزة والإنجيل ليس معجزة فلماذا القران معجز وليس غيره ؟..
باعتقادي ان النظام الذي صدر منه القران هو العالم المسيطر على هذا العالم ولكن مع بقاء صفته الخاصة بذلك العالم لذلك كان القران أطول عمرا من باقي الكتب ..!!
وأنى للإنسان ان يعرف ذلك دون فهم النظام المادي وبعد ذلك فهم النظام المعنوي المسيطر على هذا العالم ..!!
فكان للقران لا نهائية متصلة ومستمرة ..!!لذلك سمي ب (معجزة الإسلام الخالدة )..
أما تكرار المعجزة فهذا يجعلها شيئا عاديا وتفقد المعجزة معجزتها ..!! وتصبح أمرا شائعا وغير رادع ..
وخلاصة القول ان المعجزة لضعفاء اليقين ،وان الحق يستخدمها للنفوس المعاندة ..فلم نسمع ان الرسول الكريم (ص) استخدمها لجهابذة القوم ..!! بل ان الرسول ان صحت نسبة بعض المعجزات له فهو اقل الأنبياء استخداما لها خلافا لما ورد عن باقي الأنبياء ..
لذلك ان الاستدلال بالمعجزات على صحة الطريق الصحيح يجب مراجعته ، وكذلك مراجعة الرأي الذي ينتقد الأديان بعدم وجود المعجزات .
كل دين يثبت معجزة ويستدل بهذه المعجزة على صحة اعتقاده بمعنى آخر ان المعجزات التي ثبتت لأحد الأنبياء ممكن أن ينقلها الآخر بطرقه لنبيه ..!!
النظر الصحيح يكون بعينين لا بعين واحدة وهذا هو اشرف الكمال
ولذلك عبر البعض في الكتب القديمة أن أعظم معجزة في العالم ستكون عندما يتحول كل المجتمعات البشرية الى مجتمعات معصومة عن الخطأ والمقصود هنا ان المجتمعات ستكون مجتمعات إنسانية حقا وحقيقة وهذا اكبر الإعجاز في المستقبل السعيد للبشرية ان صح ان نسميه اعجازا ..!!
– See more at: http://www.feidh.com/index.php?do=view&type=articles&id=170#sthash.XIdPzgxL.dpuf