📚✨ إطلالة مهمة على عتبة النص..
💠 من بين عشرات المقدمات التي طالعتها في بطون كتب التاريخ، لم أجد مقدمةً لامست شغاف الروح كما فعلت هذه السطور؛ فهي بحق من أجمل، وأكمل، وأصدق ما كُتب تقديمًا لتاريخ بغداد ومعالمها.
🌿 إنها تُعدّ من أواخر ما خطّت يداه، وجاءت لتختزل خلاصة خبرته المديدة وعصارة حياته التي نذرها لعشق هذه المدينة وتوثيق تراثها؛ فما كانت مجرد افتتاحية عابرة، بل نفثة وجدانية صادقة، ومحطة وعي عميقة، وبوابة أمل مشرعة تؤكد أن المدن العظيمة كبغداد لا تندثر، وأن تراثها الحي هو سر بقائها وجدار صدها الأول في مواجهة عواصف الزمن ورياح المحن.
📖💎 أضع بين أيديكم هذه المقدمة الباذخة لتقرؤوها بقلوبكم قبل عيونكم، وهي مما كتبه المؤرخ الكبير الدكتور عماد عبد السلام رؤوف في مقدمة كتاب:
📚 «العقد اللامع بآثار بغداد والمساجد والجوامع»
🔹 الطبعة الثانية
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📜 بسم الله الرحمن الرحيم
حينما حققنا هذا الكتاب، وصدر في أوائل سنة 2005، كانت بغداد، بل العراق بعامة، تعيش أقسى ما مرَّ عليها من ظروف، إثر الاحتلال الأمريكي الذي نالَ كل شيء فيها، وما أعقبه من تداعيات هائلة، وكوارث مدلهمة، ومصائر مجهولة، فمكتبات البيع مغلقة، وشارع المتنبي، حيث قلعة الثقافة وبورصة الكتب، خالٍ من رواده، والأمان مفتقد في كل مكان، ودوي الرصاص يكاد يصم الآذان، ومع ذلك كله نفدت نسخ الكتاب خلال السنة الأولى من صدوره، وبات الحصول على نسخة منه يتطلب جهدًا لا يعرفه إلا مكابدوه.
هذا مع أن الكتاب لم يكن يتحدث عن شواغل الناس آنذاك، وما أكثرها، بل لا يقدم حتى رؤيا لمستقبل كئيب مُقبل، ولا يعطي أملًا كاذبًا يحمل الطمأنينة لشعبٍ ما زالت جراحه مفتوحة، فلم يكن ثمة مبرر لرواجه فضلًا عن نفاده في ظل كل تلك الظروف.
وأذكر أن ناشرًا معروفًا قال وهو يقلب صفحاته بسرعة:
💬 «وكيف تتوقع أن يقرأ أحدٌ كتابًا يتحدث عن ماضي بغداد، وهو لا يرى لها مستقبلًا أصلًا، إلا التخريب والفوضى؟ وهل تتصور أن يُقبل الناس على القراءة عن المساجد والمدارس والرُبط والزوايا والخانات التجارية، مما كانت تحفل بها مدينة السلام والدنيا تدور من حولهم لا تستقر على حال؟ إن ذلك يشبه أن تنتظر من الناس قراءة كتابٍ يتحدث عن فن الطبخ مثلًا، بينما هم لا يجدون، على أرض الواقع، إلا طعامًا من غسلين!».
وعلى الرغم من ذلك كله، جرى طبع الكتاب وتوزيعه، بل راج وانتشر، على غير ما توقعه ذلك الناشر تمامًا، ليكشف صدوره —على نحو غير متصور— عما كان قد استقر في أعماق الوجدان البغدادي، بل العراقي، من إحساس يصعب تفسيره بيُسر الآن، بأن بغداد ستبقى مدينة عتية لا يسهل اقتلاعها مهما علت الريح واشتدت العواصف، وأن تراثها الذي هو موضوع الكتاب ونطاقه، إن هو إلا شهادة حية تؤكد أصالة بغداد وقدرتها على مطاولة المحن العسيرة، والتشبث بالحياة على رغم ما مرَّ بها من تحديات مهلكة.
وهكذا فقد قدَّم الكتاب، الذي مضى على تأليفه نحو قرن كامل، إجابة قوية وإن لم تكن مباشرة على ذلك السؤال الكبير الذي بات يطرق وجدان أبناء هذا الجيل، ومضمونه:
❓ «هل سيكون لمدينة السلام مستقبل آتٍ؟»
✨ فكان الجواب: نعم!
فالمدينة التي تقف على جبل من التراث الثر، وتمد جذورها في أعماق الماضي، عبر اثني عشر قرنًا أو يزيد، من شأنها أن تثبت لكل جيل أنها القادرة على أن تبقى، وأن تتحدى، وأن تتفاعل، وأن تجتاز أكثر الظروف قساوة وضراوة.
🏛 فما قدمه الكتاب من وصف معالم بغداد وتاريخها، لم يكن مجرد حديث عن مبانٍ رثة في مدينة شاخ بها الدهر، كما كانت تبدو للكثيرين في القرن التاسع عشر، وإنما هي كما رآها عبد الحميد عبادة، «عِقدٌ لامع» حقيقي، قوامه روح الحضارة والمدنية التي تكمن في تلك المعالم، من المدارس والمساجد والرُبط والخانات والسقايات والقصور والقلاع والأسوار والجسور، التي طالما تلألأت دُرّاته على جيدها الجميل في كل عصر.
وأظن أن الناس استقبلوا الكتاب على هذا الأساس، بوصفه يقدم تلك الصورة، وليس صورة مدينة يحتلها الغزاة، وتنتشر فيها الفوضى، ويحكمها قانون الغاب، ويتعالى في سمائها دخان الانفجارات، كما بدت عند صدوره بعد أشهر من ذلك الاحتلال وما استتبعه من تداعيات.
📚 وجاء تزايد الطلب على الكتاب، ليؤكد ذلك المعنى تمامًا، فالحديث عن تراث بغداد هو حديث عن حاضرها نفسه، ومن ثم فهو مطلوب في كل وقت.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
✍️ عماد عبد السلام رؤوف
📅 12 ربيع الأول 1441هـ
📅 9 تشرين الثاني 2019م
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🏛❤️ بغداد لا تُختصر بمحنها، بل بتاريخها وتراثها وقدرتها على النهوض.
#مستلات_كتب


